الشيخ السبحاني
86
سيد المرسلين
( 1 ) ولهذا السبب لا بد من التأمل في أمر وسرّ هذه الظاهرة العجيبة ولا بد أن نتساءل : كيف تحقق ذلك التطور العظيم ، وذلك التحول العميق للعرب الجاهلية ، ومن اين نشأ ؟ ؟ كيف أمكن ان تتحول جماعة متشتتة ، متعادية ، متناحرة ، متباغضة ، في ما بينها ، بعيدة عن النظم الاجتماعية ، بمثل هذا السرعة إلى أمّة متآلفة متآخية متعاونة متسالمة متحابة ، وتشكل دولة قوية كيانا سياسيا شامخا أوجب أن تخضع لها دول العالم وشعوبه ، وتطيعها ، وتحترم مبادئها واخلاقها وآدابها آنذاك . ( 2 ) حقا لو كان في مقدور العرب أن يحرزوا ذلك التقدم الهائل بفعل عامل ذاتي فلما ذا لم تستطع عرب اليمن الذين كانوا يمتلكون شيئا كبيرا من الثقافة والحضارة ، والذين عاشوا الأنظمة الملكية سنينا عديدة ، بل وربّت في احضانها ملوكا وقادة كبارا ، أن تصل إلى مثل هذه النهضة العظيمة الشاملة ، وتقيم مثل هذه الحضارة العريضة الخالدة . لما ذا لم تستطع العرب الغساسنة الذين كانوا يجاورون بلاد الشام المتحضرة ، ويعيشون تحت ظلّ حضارة « الروم » أن يصلوا إلى هذه الدرجة من الرشد ؟ ( 3 ) لما ذا لم تستطع عرب الحيرة الذين كانوا - وإلى الأمس القريب - يعيشون في ظلّ الإمبراطورية الفارسية أن ينالوا مثل هذا الرقي والتقدم ؟ وحتى لو وصلوا إلى هذه الدرجة من التقدم وحققوا هذه القفزة فإنه لم يكن أمرا يثير العجب لأنهم كانوا يعيشون في أحضان مدنيات كبرى ، ويتغذون منها ، ولكن الذي يثير الدهشة ، والعجب هو أن تستطيع عرب الحجاز من تحقيق هذه النهضة الباهرة ، ويرثوا الحضارة الإسلامية العظمى وهم الذين كانوا يفتقرون إلى أبسط مقوّمات الحضارة الذاتية ، ولم يكن لهم عهد بأيّ تاريخ حضاريّ مشرق ، بل كانوا كما عرفت يرزحون تحت أغلال الوهم والتخيّل ، ويسيرون في ظلمات الخرافات والأساطير .